محمد الريشهري

3722

ميزان الحكمة

عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ) * ( 1 ) ، وقوله : * ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) * ( 2 ) ، وقوله : * ( وأضله الله على علم ) * ( 3 ) ، فالآيات - كما ترى - تثبت الارتداد والكفر والجحود والضلال مع العلم . فمجرد العلم بالشئ والجزم بكونه حقا لا يكفي في حصول الإيمان واتصاف من حصل له به ، بل لابد من الالتزام بمقتضاه وعقد القلب على مؤداه بحيث يترتب عليه آثاره العملية ولو في الجملة ، فالذي حصل له العلم بأن الله تعالى إله لا إله غيره فالتزم بمقتضاه - وهو عبوديته وعبادته وحده - كان مؤمنا ، ولو علم به ولم يلتزم فلم يأت بشئ من الأعمال المظهرة للعبودية كان عالما وليس بمؤمن . ومن هنا يظهر بطلان ما قيل : إن الإيمان هو مجرد العلم والتصديق ، وذلك لما مر أن العلم ربما يجامع الكفر . ومن هنا يظهر أيضا بطلان ما قيل : إن الإيمان هو العمل ، وذلك لأن العمل يجامع النفاق ، فالمنافق له عمل وربما كان ممن ظهر له الحق ظهورا علميا ولا إيمان له على أي حال . وإذ كان الإيمان هو العلم بالشئ مع الالتزام به بحيث يترتب عليه آثاره العملية ، وكل من العلم والالتزام مما يزداد وينقص ويشتد ويضعف ، كان الإيمان المؤلف منهما قابلا للزيادة والنقيصة والشدة والضعف ، فاختلاف المراتب وتفاوت الدرجات من الضروريات التي لا يشك فيها قط . هذا ما ذهب إليه الأكثر وهو الحق ، ويدل عليه من النقل قوله تعالى : * ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) * وغيره من الآيات ، وما ورد من أحاديث أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الدالة على أن الإيمان ذو مراتب . وذهب جمع منهم أبو حنيفة وإمام الحرمين وغيرهما إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، واحتجوا عليه بأن الإيمان اسم للتصديق البالغ حد الجزم والقطع ، وهو مما لا يتصور فيه الزيادة والنقصان ، فالمصدق إذا ضم إلى تصديقه الطاعات أو ضم إليه المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا . وأولوا ما دل من الآيات على قبوله الزيادة والنقصان بأن الإيمان عرض لا يبقى بشخصه بل بتجدد الأمثال ، فهو بحسب انطباقه على الزمان بأمثاله المتجددة يزيد وينقص كوقوعه للنبي ( صلى الله عليه وآله ) مثلا على التوالي من غير فترة متخللة ، وفي غيره بفترات قليلة أو كثيرة ، فالمراد بزيادة الإيمان توالي أجزاء الإيمان من غير فترة أصلا أو بفترات قليلة . وأيضا للإيمان كثرة بكثرة ما يؤمن به ، وشرائع الدين لما كانت تنزل تدريجا والمؤمنون يؤمنون بما ينزل منها ، وكان يزيد عدد الأحكام حينا بعد حين ، كان إيمانهم أيضا يزيد تدريجا ،

--> ( 1 ) محمد : 32 . ( 2 ) النمل : 14 . ( 3 ) الجاثية : 23 .